Powered By Blogger

الخميس، 3 أغسطس 2023

"التكنولوجيا وأثرها في المجتمعات: مجتمع المعلومات والدعاية الرقمية – الجزء الثاني"

"التكنولوجيا وأثرها في المجتمعات: مجتمع المعلومات والدعاية الرقمية – الجزء الثاني"

مفهوم مجتمع المعلومات

يُشير مفهوم مجتمع المعلومات، كما وضحه الباحث يونيجي ماسودا، إلى ذلك النمط من المجتمعات الذي تصبح فيه المعلومة، وليس الثروة المادية، المحرك الأساسي لعمليات التحول والتطور داخله. في هذا الإطار، يتحول إنتاج المعرفة وتبادلها إلى مصدر أساسي للقوة، حيث تزدهر الابتكارات العقلية وتتسع حدود الإبداع الإنساني. لم يعد النفوذ في هذا المجتمع يعتمد على امتلاك الموارد الطبيعية أو الصناعية، بل على القدرة على إنتاج وتوظيف المعلومات بكفاءة، بما يدعم التنمية المستدامة ويعزز التنافسية العالمية [1].

الخصائص الجوهرية لمجتمع ما بعد المعلومات

يشير العديد من الباحثين إلى أن مجتمع ما بعد المعلومات يتميز بعدة سمات محورية، أهمها:

  1. تمكين الدول ذات النمو السريع – حتى الصغيرة منها – من اكتساب نفوذ وتأثير عالمي بفضل استثمارها في البنية التحتية المعلوماتية.

  2. إعادة تشكيل أدوار الحكومات وتغيير أولوياتها، بحيث تصبح سياسات إدارة المعلومات وحمايتها في صدارة الأجندة الوطنية.

  3. تصاعد حدة الصراع بين الدول والشركات الكبرى المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات، نتيجة للتنافس على الريادة التكنولوجية والهيمنة على الأسواق الرقمية.

  4. بروز أنماط جديدة من النزاعات المرتبطة بالمعلومات الشخصية، خاصة في ظل توسع تقنيات جمع البيانات وتحليلها.

  5. استفادة الفئات الثرية من فرص أكبر للوصول إلى التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، مما يعمّق الفجوة الرقمية بين الطبقات الاجتماعية [2].

الدعاية والإعلان في عصر المعلومات

في ظل العصر الرقمي الذي يتميز بـ اللامركزية في تدفق المعلومات، يواجه الأفراد في المجتمع المعاصر كمًا هائلًا من الرسائل الإعلامية المتنوعة، التي قد تحمل توجهات متناقضة. يرى بعض المفكرين أن هذا المشهد يعكس حالة من "الدعاية المتنافسة" التي تقوم على بث رسائل متعددة ومتنافرة، ما يخلق مناخًا من الشك وعدم اليقين. وتؤدي هذه البيئة الإعلامية إلى حالة من الفوضى المعرفية، حيث تختلط الحقائق بالأخبار المضللة، ويصبح التمييز بينهما أكثر صعوبة. قد يجد بعض الأشخاص في هذا التنوع مساحة للإثراء الفكري، بينما يشعر آخرون بالارتباك، خاصة أولئك الذين اعتادوا على أنماط أكثر انضباطًا من الإعلام التقليدي [3].

جاك إيلول وتحليل آليات الدعاية

تناول الفيلسوف والمفكر جاك إيلول قضية الدعاية من منظور مختلف، مشيرًا إلى أن الدعاية لا يمكن أن تعمل بفعالية دون وجود مستوى من التعليم لدى الجمهور المستهدف. بل يرى أن التعليم نفسه يصبح أحيانًا شرطًا أساسيًا لإنجاح الحملات الدعائية، لأن الفرد المتعلم أكثر قدرة على التفاعل مع الرسائل الإعلامية المعقدة، سواء بالقبول أو الرفض.
ويشير إيلول أيضًا إلى مفهوم "المجتمع الكلي للدعاية"، وهو ذلك المجتمع الذي يستخدم فيه النظام الجماهيري جميع الوسائل التكنولوجية المتاحة لنشر رسائله، بحيث تُوجَّه الرسالة الإعلانية أو الإعلامية إلى الجمهور من زوايا متعددة، مما يخلق وهم التنوع في المحتوى، بينما الجوهر قد يظل واحدًا. وفي هذه البيئة، تؤدي التقنيات الحديثة دورًا أساسيًا في تصميم الرسائل وتوجيهها، بما يتناسب مع طبيعة كل وسيلة إعلامية على حدة [4].

التكنولوجيا كقوة مؤثرة في الثقافة والسياسة

إلى جانب دورها في الاقتصاد والمعلومات، أصبحت التكنولوجيا الحديثة قوة مركزية في صياغة الثقافة السياسية والاجتماعية. فهي تسهم في إعادة تشكيل أنماط التفاعل بين الأفراد، وتؤثر على كيفية تكوين الرأي العام، كما أنها تمنح منصات جديدة للحوار، وأحيانًا للصراع. في المقابل، تواجه المجتمعات تحديات كبيرة في مجال الأمن المعلوماتي وحماية الخصوصية، حيث أصبح جمع وتحليل البيانات الشخصية جزءًا من الممارسات اليومية للشركات والحكومات.

التكنولوجيا بين الفرص والتحديات

تتيح التكنولوجيا فرصًا هائلة للتنمية البشرية، بدءًا من تحسين جودة التعليم عبر التعلم الرقمي، مرورًا بتطوير الخدمات الصحية باستخدام الذكاء الاصطناعي، وانتهاءً بتعزيز الشفافية في إدارة الموارد. لكن هذه الفرص تأتي مصحوبة بتحديات تتعلق بالعدالة الرقمية، ومخاطر الاستخدام غير الأخلاقي للتقنيات المتقدمة، إضافة إلى خطر تعزيز الانقسامات الاجتماعية نتيجة الفجوة في الوصول إلى المعرفة والأدوات الرقمية.

خاتمة
لقد أصبح تأثير التكنولوجيا في المجتمعات المعاصرة حقيقة لا يمكن إنكارها، حيث انتقلنا من عصر يعتمد على الموارد المادية إلى مجتمع المعلومات الذي تمثل فيه المعرفة والمعلومات القوة الحقيقية للتنمية والتحول. هذا التحول لم يقتصر على المجالات الاقتصادية والسياسية فحسب، بل شمل أيضًا أنماط التفكير، وأساليب الاتصال، وأشكال الصراع، سواء على مستوى الدول أو الأفراد. وفي ظل تزايد دور الإعلام والدعاية في تشكيل الرأي العام، يظهر بوضوح كيف أصبحت التقنيات الحديثة أداة فعّالة للتأثير الثقافي والاجتماعي، سواء بصورة إيجابية من خلال نشر الوعي والمعرفة، أو بصورة سلبية عبر تضخيم المعلومات المضللة. ومن هنا، فإن التحدي الأكبر أمام المجتمعات يتمثل في تحقيق توازن بين الاستفادة من الإمكانات الهائلة للتكنولوجيا، والحد من مخاطرها على الخصوصية، والتماسك الاجتماعي، والاستقرار القيمي. إن بناء مستقبل أكثر عدلاً وابتكارًا يتطلب وعيًا رقميًا متزايدًا وسياسات رشيدة تضمن استخدام التكنولوجيا لصالح الإنسان لا ضده.

المراجع

[1] خليفة، إيهاب. (2019). مجتمع ما بعد المعلومات. ط1. القاهرة، مصر: العربي للنشر والتوزيع، ص22.
[2] المرجع السابق، ص32.
[3] آل: العمر. المجلد 3، رقم 1. عبر الإنترنت: jps.library.utoronto.ca. فهم الدعاية في الأرقام، فرايم، جون (2023).
[4] آل: العمر. المجلد 3، رقم 1. عبر الإنترنت: jps.library.utoronto.ca. فهم الدعاية في الرقم، فرايم، جون (2023).


الكلمات المفتاحية (Keywords)

  • التكنولوجيا وأثرها في المجتمعات

  • مجتمع المعلومات

  • ما بعد المعلومات

  • الدعاية الرقمية

  • الإعلام الحديث

  • الخصوصية الرقمية

  • الفجوة الرقمية

  • جاك إيلول

  • تكنولوجيا المعلومات

  • الأمن المعلوماتي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلطة والدولة عند ماكس فيبر:الكاتبة:د.فاطمة أحمد.(12-4-2023).السلطة والدولة عند ماكس فيبر.مدونة علم

سوسيولوجيا الأسرة الرقمية: كيف غيّرت التكنولوجيا بنية العلاقات الأسرية وأدوار أفرادها؟

مقال أكاديمي محكّم سوسيولوجيا الأسرة الرقمية كيف غيّرت التكنولوجيا بنية العلاقات الأسرية وأدوار أفرادها؟ دراسة تحليلية في ضوء النظريات السوس...